منابر الرأي أم محاكم الناس؟
“الكلمة الحرة تحتاج إلى ضمير، كما يحتاج النقد إلى عدل.”
لم يكن المجتمع الموريتاني، شأنه شأن كثير من المجتمعات المسلمة، يعرف هذا القدر من الانشغال اليومي بأخبار العلماء والقادة والفاعلين الاجتماعيين، ولا هذا السيل المتدفق من الأحكام التي تتراوح بين التمجيد المطلق والتجريح المطلق. فقد كانت مجالس الناس، على اتساعها، تضبطها أعراف راسخة، وتحكمها موازين من الحياء والوقار والمسؤولية، فلا يتصدر للكلام في أعراض الناس ومكانتهم إلا من يملك علماً أو تجربة أو شهادة معتبرة.
أما اليوم، فقد فتحت وسائل التواصل الاجتماعي أبواباً لم تكن تخطر على بال، وأصبح كل هاتف منبراً، وكل حساب صحيفة، وكل تعليق حكماً يُنشر على الملأ. وهكذا تغيرت طبيعة النقاش العام، وتبدلت معه كثير من القيم والضوابط التي كانت تحكمه.
ولعل أول ما يلفت النظر في هذه الظاهرة أن الحديث عن الشخصيات العامة لم يعد يقتصر على تقييم أعمالها أو مناقشة أفكارها، بل تجاوز ذلك في كثير من الأحيان إلى اقتحام دوائر النيات والمقاصد، وإصدار الأحكام على الذمم والسرائر، وكأن الناس قد أُعطوا مفاتيح القلوب وعلموا ما خفي عن الخلق.
ومن أسباب ذلك أن المنصات الحديثة لا تكتفي بإتاحة التعبير، بل تشجع ـ بطبيعتها وآلياتها ـ كل ما يثير الانفعال ويستجلب التفاعل. فالكلمة المتزنة لا تنتشر كما ينتشر الاتهام، والرأي المعتدل لا يحظى بما يحظى به الثناء المفرط أو الهجوم العنيف. وهكذا يجد كثير من الناس أنفسهم، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، أسرى لمنطق الاستقطاب؛ إما مع الشخص كلية أو ضده كلية، وإما محب لا يرى عيباً، أو مبغض لا يرى حسنة.
ثم إن هذه المنصات منحت كثيرين شعوراً بالقوة والتأثير لم يكن متاحاً من قبل. فالتعليق على عالم مشهور أو قائد معروف أو شخصية مؤثرة أصبح عند بعض الناس وسيلة لإثبات الحضور وجذب الانتباه بقدر ما هو تعبير عن رأي أو موقف. ومن هنا تداخلت الرغبة في المشاركة مع الرغبة في الظهور، واختلط طلب الحقيقة أحياناً بطلب الشهرة.
غير أن الخلل الأعمق يكمن في تراجع ثقافة الاختلاف الرشيد. فكثير من الناس لم يتعلموا الفرق بين نقد الفكرة والطعن في صاحبها، ولا بين مناقشة الموقف والنيل من الكرامة الشخصية. فإذا اختلفوا مع رجل أسقطوا فضائله، وإذا أحبوه أغلقوا أعينهم عن أخطائه. وفي الحالين يغيب ميزان العدل الذي لا يستقيم الحكم بدونه.
ويزيد الأمر تعقيداً أن كثيراً من الناس لم يعودوا يميزون بين الشهادة والحكم. فالشهادة نقل لما ظهر من قول أو فعل، أما الحكم على الأشخاص والنيات والمقاصد فباب آخر أوسع وأخطر. قد يرى الإنسان موقفاً أو يسمع تصريحاً أو يطّلع على خطأ، فيحق له أن يناقش ما ظهر له، لكنه لا يملك أن يبني على ذلك حكماً نهائياً على السرائر أو المقاصد التي استأثر الله بعلمها.
ثم إن مما يغفل عنه كثير من الناس أن الكلمة اليوم لم تعد كما كانت بالأمس. فالناس قديماً كانوا يتحدثون عن العلماء والقادة، لكنهم كانوا يفعلون ذلك في دوائر محدودة تنضبط بالمجالسة المباشرة ومواجهة المسؤولية. أما اليوم فإن الكلمة العابرة ـ التي قد لا يمضي صاحبها في التفكير فيها أكثر من ثوانٍ ـ تصل في لحظات إلى عشرات الآلاف من البشر، وتُحفظ وتُعاد وتُستشهد بها سنوات طويلة.
ومن هنا تضاعفت المسؤولية الأخلاقية للكلمة بقدر ما تضاعفت قدرتها على الانتشار والأثر. فليست المشكلة في وجود النقد، ولا حتى في شدته، وإنما في اتساع أثره وسرعة انتشاره وانفلاته من الضوابط التي كانت، بحكم طبيعة المجالس القديمة، تكبح جماحه وتحكمه.
ومع ذلك فإن الإنصاف يقتضي ألا ننظر إلى هذه الظاهرة من زاوية واحدة. فليس كل حديث عن الشخصيات العامة مذموماً، بل إن نقد أصحاب النفوذ، ومساءلة المؤثرين، وتقويم الأخطاء التي تمس الشأن العام، أمور لا تستغني عنها المجتمعات الحية. فالأمة التي تُغلق باب النقد تفقد قدرتها على المراجعة والتصحيح، وتفسح المجال للأخطاء كي تتراكم دون مساءلة.
لكن الفرق كبير بين النقد الذي يقصد الإصلاح، والنقد الذي يتغذى على الإثارة والتشهير. الأول يبني الوعي ويقوّم الاعوجاج، والثاني يفسد القلوب ويمزق الأواصر ويحول الفضاء العام إلى ساحة خصومات لا تنتهي.
وقد دفعت البيئة الرقمية كثيراً من الناس إلى أحد طرفين متقابلين: طرف يصنع من بعض الشخصيات أصناماً معنوية لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، وطرف آخر يجعل من زلة واحدة سبباً لإهدار تاريخ كامل من العطاء والفضل. وكلا الموقفين بعيد عن ميزان الإسلام الذي يقرر أن العصمة ليست إلا للأنبياء، وأن العدل واجب مع الموافق والمخالف على السواء.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم ليس في إسكات الأصوات ولا في تقييد حرية التعبير، وإنما في الارتقاء بمستوى الخطاب العام. نحن بحاجة إلى نقد مسؤول لا إلى تجريح، وإلى ثناء منضبط لا إلى تقديس، وإلى ثقافة تجعل الحقيقة غاية، لا الانتصار للنفس أو للفريق.
وهذه مسؤولية مشتركة يتحملها العلماء والمربون والإعلاميون وأصحاب المنصات والمؤسسات التعليمية، كما يتحملها كل فرد قبل أن يكتب تعليقاً أو يضغط زر النشر. فالكلمة التي تُكتب في لحظة انفعال قد تجرح عرضاً، أو تزرع فتنة، أو تهدم سمعة، وربما بقي أثرها سنوات طويلة بعد أن ينساها صاحبها.
ولعل حاجتنا اليوم إلى أدب الاختلاف لا تقل عن حاجتنا إلى حرية التعبير، وإلى خلق الإنصاف لا تقل عن حاجتنا إلى الشجاعة في النقد. فالمجتمع الذي يفقد أحدهما يختل توازنه، أما المجتمع الذي يجمع بينهما فإنه يحفظ كرامة الناس، ويصون حق الأمة في المراجعة والتقويم.
وبين حرية الكلمة ومسؤولية الكلمة تتحدد قيمة الخطاب العام، وتُعرف درجة رقي المجتمعات ونضجها.
أحمد الشيباني( بدّي ولد منيرا )
رئيس مركز شنقيط الإسلامي
ديربورن ميشيغان
