المحبّة التي تُرى
بقلم: أحمد الشيباني
رئيس مركز شنقيط الإسلامي
قال تعالى:
{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31].
تبدأ الآية بالمحبّة، فلا تُنكر الشوق الذي يجده القلب، ولا تُلغي حرارة التعلّق بالله. لكنّها لا تترك المحبّة مجرّد شعور داخلي، بل تنقلها مباشرةً إلى أثرٍ يُرى: {فاتّبعوني}. ثم ترفع العبد إلى منزلة أعلى ممّا بدأ: {يُحببكم الله}. وكأنّ الآية ترسم طريق المحبّة كاملاً: محبّةٌ في القلب، ثم اتّباعٌ في السلوك، ثم محبّةٌ من الله لعبده.
وهذا هو سرّ الآية؛ فغاية المحبّة ليست أن تُحبّ الله فقط، بل أن تكون محبوباً عنده. والطريق إلى ذلك هو اتّباع رسول الله ﷺ. فالطاعة هنا ليست قيداً على المحبّة، بل برهانها وثمرتها.
غير أنّ القرآن يكشف حقيقةً أعمق: أنّ القلب لا يصل إلى هذه المحبّة وحده، بل يُعان عليها من الله. قال تعالى: {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7]. فالله هو الذي يحبّب الإيمان إلى القلب، ويجعله جميلاً محبوباً، كما يكرّه إليه المعصية والفسوق. ولهذا كانت محبّة العبد لله استجابةً لفضلٍ سبقه، لا عملاً يستقلّ به وحده.
ثم يؤكّد القرآن هذه الحقيقة بقوله: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]. فقدّم محبّته لهم على محبّتهم له، إشارةً إلى أنّ المبادرة من الله رحمةً وهدايةً وتوفيقاً، وأنّ العبد إنّما يحبّ ربّه لأنّه أُعين على هذا الحبّ.
لكنّ المحبّة في القرآن ليست عاطفةً تستهلك صاحبها في داخله، ولا طاعةً جامدةً بلا روح. إنّها اجتماع حرارة القلب مع أثرها في السلوك. يحبّ القلب، فينقاد. ويشتاق، فيتبع. ويأنس، فيطيع.
آفات المحبّة: بين الذوبان والتجمّد
- الغرق في الشعور دون العمل:
حين ينشغل الإنسان بما يشعر به أكثر من انشغاله بمن يحبّه، فيتحوّل اهتمامه إلى لذّة الإحساس بالمحبّة ذاتها، لا إلى مرضاة الله. وهنا تعود المحبّة — من حيث لا يشعر صاحبها — إلى تمركزٍ حول الذات، لا حول الله. - الجفاف التعبّدي:
حين تُختزل العلاقة بالله في أوامر تؤدّى بلا حضور قلب، فتتحوّل الطاعة إلى عادة ثقيلة خالية من الأنس والشوق. بينما القرآن يصف المؤمنين بقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} [البقرة: 165]. فالقلب في القرآن ليس آلة طاعة، بل قلبٌ يحبّ. - المحبّة الانتقائية:
أن يحبّ الإنسان ربّه في الرخاء، فإذا جاء الابتلاء اضطرب أو تراجع. وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج: 11]. أمّا المحبّة الصادقة فتثبت عند العسر كما تثبت عند اليسر، لأنّها متعلّقة بالله لا بالمصلحة.
ولهذا فالمحبّة الحقّة ليست انفلاتاً عاطفياً، ولا جموداً تكليفياً، بل حرارةٌ صادقة يحرسها الاتّباع والثبات.
كيف تُرى المحبّة؟
جعل القرآن للمحبّة برهاناً واضحاً: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي}. فالمحبّة الصادقة تترك أثراً يُرى في السلوك والأخلاق والعبادة. وكما أنّ النار لا تُعرف حرارتها إلا بأثرها في الاحتراق، كذلك المحبّة لا تُعرف إلا بأثرها في الالتزام والطاعة.
ولا يعني هذا أن تتحوّل المحبّة إلى استعراضٍ أمام الناس، فالمحبّة التي تُرى ليست رياءً، بل صدقٌ يظهر أثره في السرّ والعلن معاً. فقد يراك الناس تترك معصيةً كنت تميل إليها، أو تلتزم بخلقٍ نبويّ كانت تشقّ عليك، فيظهر أثر المحبّة على سلوكك دون تكلّف.
ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يترجمون محبّتهم إلى اتّباع عملي. فقد آثروا الهجرة مع النبي ﷺ على الأوطان والأموال، وصبروا على الأذى طلباً لما يحبّه الله. فلم تكن محبّتهم كلمات تُقال، بل حياةً تُعاش.
ومع ذلك، فالمحبّة لا تُغني عن الخوف والرجاء، بل تجتمع معهما. فالمؤمن يحبّ ربّه، ويرجو رحمته، ويخاف التقصير في حقّه. وهذه المعاني الثلاثة هي التي تحفظ القلب من الانحراف: فالمحبّة تمنحه القرب، والرجاء يمنحه الأمل، والخوف يمنحه اليقظة.
ومن علامات المحبّة الصادقة أن يصبح الله أحبّ إلى القلب ممّا سواه، لا بمعنى أن يخلو القلب من كل حبّ آخر، بل أن تكون محبّة الله هي المقدّمة عند التزاحم. فإذا تعارض هوى النفس مع ما يرضي الله، ظهرت حقيقة المحبّة: أيّهما يُقدّم القلب؟
وهكذا تبقى المحبّة في القرآن ليست كلمات تُقال، ولا حرارةً تذوب في الشعور، بل نوراً يهدي إلى الاتّباع، وحياةً يظهر أثرها في الطاعة والثبات، حتى يصير العبد محبّاً لله، محبوباً عنده.
