الإحسان: عبادةٌ ترى أثرها في القلب والحياة
بقلم: أحمد الشيباني
رئيس مركز شنقيط الإسلامي – ديربورن، ميتشيغان
ليس الإحسان مجرد كثرةٍ فقط في العبادة، بل حضورٌ للقلب فيها. لذلك لمّا سُئل النبي ﷺ عن الإحسان لم يذكر عدد الصلوات ولا كثرة الصيام، وإنما قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
فالتفاوت بين العابدين ليس بعدد الأعمال وحده، بل بمقدار حضور الله في القلوب أثناءها. قد يطول العمل والقلب غافل، أما المُحسن فيعبد الله مستشعرًا مراقبته؛ كأنه واقف بين يديه حقًا.
ولهذا جاء الإحسان على مقامين:
مقام المشاهدة: «أن تعبد الله كأنك تراه».
ومقام المراقبة: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
والجامع بينهما أن يغلب استحضار مراقبة الله على انشغال الإنسان بنفسه.
ومن استقرت هذه المراقبة في عبادته ظهرت آثارها في أخلاقه ومعاملاته؛ فالمُحسن لا يخشع في صلاته ثم يظلم الناس في بيعه وخصومته وكلامه، لأن الذي يراه في الصلاة يراه في السوق والبيت وكل شأن من شؤونه.
ولذلك يختلف الإحسان في التصور الإسلامي عن الأخلاق التي تقوم فقط على رد الجميل أو المعاملة بالمثل. فالناس قد يقولون: أحسن إلى من أحسن إليك، أما المُحسن فيُحسن لأن الله يراه، لا لأن الناس يستحقون دائمًا.
ومن هنا كان الإحسان أعلى من العدل؛ فالعدل أن تؤدي ما عليك وتأخذ ما لك، أما الإحسان فأن تتفضل فوق الواجب، وأن تعفو مع القدرة، وأن تتنازل عن بعض حقك اختيارًا لا عجزًا. ولذلك جمع الله بينهما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}.
فالعدل يحفظ المجتمع من الظلم، أما الإحسان فيمنحه الرحمة والجمال. العدل يمنع الأذى، والإحسان ينشر الفضل.
وقد جعل القرآن الإحسان طريقًا لمحبة الله وقربه ورحمته؛ فالمُحسن محبوبٌ عند الله:
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
وهو قريبٌ من رحمته سبحانه:
{إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}.
ثم إن الجزاء من جنس العمل:
{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.
والمُحسن الحقيقي هو من عاش مستشعرًا هذه المراقبة في كل أحواله: في صلاته فخشع، وفي تجارته فصدق، وفي قوته فرحم، وفي غضبه فعفا.
لأنه لم يعد يؤدي العبادة عادةً، بل صار يعيشها حضورًا وإحسانًا.
