القَتور: حين يخاف الإنسان

❞ قد يزداد مال الإنسان عامًا بعد عام، ولا يزداد شعوره بالأمان؛ لأن أصل المشكلة لم يكن في المال، بل في القلب الذي يخاف النفاد. ❝

القَتور: حين يخاف الإنسان النفاد

بقلم: أحمد الشيباني (بدِّي ولد منيرا)
رئيس مركز شنقيط الإسلامي

تأملوا معي هذه الآية العجيبة من سورة الإسراء، وكيف تكشف أعماق النفس البشرية بدقة مدهشة. يقول الله تعالى:

﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾

ليست الآية حديثًا عن البخل فقط، بل هي تصوير لطبيعة الإنسان حين يستبد به الخوف من النفاد.

تخيّلوا لو أن الإنسان يملك خزائن رحمة الله — لا خزينة واحدة، بل خزائن لا تنفد — ومع ذلك يقول القرآن:

﴿لَّأَمْسَكْتُمْ﴾.

لماذا؟

﴿خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ﴾.

وهنا تتجلّى دقة التعبير القرآني؛ فلم يقل: “وكان الإنسان بخيلًا”، بل قال:

﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾.

فالفرق بين البخيل والقَتور عميق:

  • البخيل يتعلق بما عنده.
  • أما القَتور فيخاف مما قد يفقده.

إنه خوف من الغد، وقلق من النفاد، حتى لو كان ما يملكه لا ينفد أصلًا.

ومن هنا ندرك أن المشكلة ليست دائمًا في قلة المال، بل في قلوب لم تطمئن بعد إلى رزق الله. فقد يملك الإنسان الكثير، لكنه يعيش بعقلية الندرة والخوف.

ولهذا قد ترى إنسانًا يزداد ماله عامًا بعد عام، بينما لا يزداد شعوره بالأمان. تتسع موارده، وتتعدد مصادر دخله، وتكثر أسباب الطمأنينة من حوله، لكنه يظل يخشى النقص كما كان يخشاه من قبل. فكلما اتسع ما في يده اتسعت معه مخاوفه، لأن أصل المشكلة لم يكن في المال، بل في القلب الذي يخاف النفاد.

لذلك لا يُعالَج القَتر بكثرة المال وحدها، وإنما يُعالَج بيقين القلب، وحسن الظن بالله، والطمأنينة إلى أن خزائن الله لا تنفد.

فإذا اطمأن القلب، انطلقت اليد بالعطاء.

فالكرم في حقيقته ليس سعة اليد فحسب، بل سعة القلب.

والله الموفق.

مركزشنقيطالإسلامي

تدبرآياتالقرآن

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top