تأملات في النفاق من روح القرآن

تأملات في النفاق من روح القرآن

بقلم: أحمد الشيباني (بدِّي ولد منيرا).
رئيس مركز شنقيط الإسلامي
ديربورن ميشيغان

حين يتحدث القرآن عن النفاق، فإنه لا يكتفي بكشف طائفة من الناس عاشت في زمن التنزيل، بل يلفت نظر الإنسان إلى خطرٍ قد يتسلل إلى النفس في صور صغيرة لا تكاد تُرى. ولهذا كان الصالحون يخافون النفاق على أنفسهم، لا لأنهم يبطنون الكفر، ولكن لأن النفس قد تعتاد شيئًا من التلون أو التبرير أو مخالفة الظاهر للباطن حتى تألفه ولا تعود تستشعر خطره.

والنفاق في القرآن نوعان: نفاق اعتقادي، وهو إظهار الإيمان وإبطان الكفر، وهذا هو النفاق الأكبر الذي تحدثت عنه آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

وهناك نفاق عملي لا يخرج صاحبه من الإسلام، لكنه يشبه المنافقين في بعض أخلاقهم، وقد أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».

وهذا المقال لا يتحدث عن النفاق الاعتقادي، وإنما عن تلك البذور الصغيرة التي قد تنشأ في النفس حتى تصنع فيها نوعًا من الانقسام الداخلي.

فبداية الأمر غالبًا ليست كفرًا ولا عداءً للدين، بل اعتياد الإنسان أن يقول ما لا يشعر به، أو يُظهر للناس صورة تخالف شيئًا مما في قلبه. يجامل حتى يكذب، ويثني بما لا يقتنع به، ويظهر الرضا وهو ممتلئ بالسخط. ومع تكرار ذلك تتسع المسافة بين الداخل والخارج، حتى يصبح الإنسان معتادًا أن يعيش بوجهين: وجه يقدمه للناس، وآخر يخفيه عنهم.

ثم تقع مرحلة أخطر: أن يخدع الإنسان نفسه. فلا يعود يرى تناقضه تناقضًا، بل يسميه حكمة أو لباقة أو حسن تدبير. وهنا لا تكمن المشكلة في الخطأ نفسه، بل في فقدان القدرة على رؤيته. فالتبرير إذا تكرر تحول إلى حجاب يحول بين النفس وبين معرفة حقيقتها.

وقد وصف القرآن حال المنافقين بقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. وأشد ما في الآية ليس وقوع الخداع، بل غياب الشعور به.

ومن آثار هذا الانقسام قلق داخلي دائم؛ فالإنسان الذي يعيش بظاهر غير باطنه يظل خائفًا من الانكشاف، يفسر الكلمات على أنها تعنيه، ويتوجس من نظرات الناس ومواقفهم. ولهذا قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.

ثم إذا استمر هذا المسار تحول إلى تلوّن دائم؛ مع كل جماعة بوجه، ومع كل مصلحة بلون، حتى يفقد الإنسان مركزه الداخلي وثباته الأخلاقي. وقد صور القرآن ذلك بقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾. وهذه الآية تصف المنافقين الاعتقاديين، لكن معناها يكشف كذلك ما يفعله التردد الأخلاقي المزمن بالإنسان حين يعتاد أن يجعل مواقفه تابعة للمصلحة لا للمبدأ.

ومع ذلك ينبغي التفريق بين هذا الانقسام المرضي، وبين ما يعرض للمؤمن من ضعف أو تفاوت في الحال. فقد ظن حنظلة رضي الله عنه أنه نافق لأنه كان إذا جلس عند النبي ﷺ رقّ قلبه، فإذا عاد إلى أهله وأعماله فتر ذلك الحال. فبيّن له النبي ﷺ أن هذا من طبيعة البشر، وأن القلوب لا تبقى على درجة واحدة دائمًا.

فليس النفاق أن تضعف أو تقصر أحيانًا، بل أن تتعمد صناعة صورة للناس تخالف ما ترضاه لنفسك في السر، أو أن يصبح التلون خلقًا مستقرًا لا عثرة عابرة.

ومن العلامات الدقيقة التي ينبغي أن يراجع الإنسان نفسه فيها: أن يكون له وجه أمام الأقوياء ووجه آخر أمام الضعفاء، أو أن يمدح في الحضور ويذم في الغياب، أو أن يلتمس لنفسه الأعذار دائمًا فلا يعترف بتقصير ولا يراجع خطأ.

والفرق كبير بين التماس العذر للنفس وبين التبرير المرضي؛ فالمؤمن قد يضعف ثم يعترف ويستغفر، أما النفس إذا صارت لا ترى نفسها مخطئة أبدًا، فذلك باب خطر يُغلق معه باب التوبة شيئًا فشيئًا.

أما العلاج، فأوله الصدق؛ أن يحاول الإنسان أن يقلل المسافة بين سره وعلانيته، وبين ما يقوله وما يعتقده، وأن يراقب الله في الخلوة كما يراقبه أمام الناس. وأن يصدق في الأمور الصغيرة قبل الكبيرة، لأن النفس تعتاد الصدق كما تعتاد التلون.

ومن أعظم ما يحفظ القلب أن يبقى الإنسان مشغولًا بإصلاح نفسه لا بتتبع نفاق الآخرين. فآيات النفاق لم تنزل أولًا لنطارد بها الناس، بل لنراجع بها قلوبنا نحن.

ولعل أخوف ما في النفاق ليس أن يكذب الإنسان على الآخرين، بل أن ينجح في الكذب على نفسه. فإذا بقي القلب قادرًا على رؤية عيوبه، والاعتراف بتقصيره، والرجوع كلما أخطأ، بقي باب النجاة مفتوحًا. أما حين يفقد هذه القدرة، ويصبح التبرير بديلاً عن المراجعة، فهناك يبدأ الخطر الحقيقي.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top