نحن والغير: فلسفة القرآن في بناء التعايش وعدم رفض الآخر
في عالمٍ يتسارع فيه الاستقطاب وتتصاعد فيه خطابات الإقصاء، يُعاد طرح سؤال التعايش مع “الغير” بوصفه إشكالية فكرية وأخلاقية بامتياز. غير أنّ العودة المتأنية إلى فلسفة القرآن الكريم تكشف أن المشكلة ليست في الاختلاف ذاته، بل في سوء إدارته وتحويله إلى مبرّر للرفض والهيمنة. فالقرآن لا ينظر إلى التنوع بوصفه خللًا في النظام الإنساني، بل يقدّمه باعتباره سُنّة كونية مقصودة، تُدار بالحكمة والعدل، لا بالخوف ولا بالإقصاء.
من المنظور القرآني، لا تُبنى الهوية على نفي الآخر، بل على معرفة الذات في سياق التعدد. فالتعارف—لا الصراع—هو الغاية من اختلاف البشر في ألسنتهم وألوانهم وثقافاتهم. هذا التأسيس القرآني يحرّر الإنسان من وهم “النقاء المطلق” الذي لم تعرفه التجربة الإنسانية، ويضعه أمام مسؤولية أخلاقية واضحة: كيف يكون وفيًّا لهويته دون أن يحوّلها إلى أداة إلغاء أو استعلاء؟
ويمضي القرآن أبعد من مجرد الإقرار بوجود المختلف، إذ ينقل العلاقة معه من منطق “التحمّل” إلى منطق “الكرامة”. فالكرامة الإنسانية أصلٌ ثابت، تُمنح للإنسان لكونه إنسانًا، لا لانتمائه أو معتقده. وبهذا المبدأ، يهدم القرآن كل بناءٍ فكري يبرّر التمييز أو الإقصاء على أساس الدين أو العِرق أو الثقافة. إنّ رفض الآخر، من هذا المنظور، لا يُعدّ دفاعًا عن الهوية، بل انحرافًا عن مقاصدها الكبرى.
كما يميّز الخطاب القرآني تمييزًا دقيقًا بين الخلاف والعداء. فالخلاف سنة فكرية وحضارية، أما العداء فنتاج سوء إدارة الخلاف وتغليب الأهواء على القيم. ومن هنا جاءت ضوابط القرآن في تنظيم العلاقة مع المختلف: العدل في الحكم، والإحسان في المعاملة، والحكمة في الخطاب، واحترام حرية الاعتقاد دون إكراه. هذه الضوابط لا تذيب الفوارق العقدية، لكنها تمنع تحويلها إلى صدامٍ وجودي يهدد السلم الاجتماعي.
وفي السياق المعاصر، ولا سيما في المجتمعات التعددية التي تعيش فيها أقليات مسلمة، تبرز هذه الفلسفة القرآنية بوصفها ضرورة عملية لا ترفًا فكريًا. فالتعايش في الرؤية القرآنية لا يعني الذوبان ولا التفريط في الثوابت، كما لا يعني الانكفاء والانغلاق. إنه اندماج أخلاقي واعٍ في الفضاء العام، ومشاركة إيجابية في بناء الخير المشترك، مع الحفاظ على الخصوصية الدينية والثقافية. إنها “الهوية الواثقة” التي تعرف جذورها، فلا تخشى الاختلاف.
ويحمّل القرآن الجماعة المؤمنة مسؤولية الشهادة على الناس بالقيم، لا الوصاية عليهم بالسلطة أو الإكراه. والشهادة هنا ليست خطاب تفوق، بل نموذج سلوك. حين يلمس الآخر عدلنا قبل أقوالنا، ويرى إنصافنا قبل شعاراتنا، يتحول الاختلاف من حاجزٍ نفسي إلى مساحة تعارف، ومن مصدر توتر إلى فرصة تعاون.
ختامًا، فإن فلسفة القرآن في عدم رفض الآخر ليست خطابًا مثاليًا معزولًا عن الواقع، بل مشروعًا حضاريًا قابلًا للتنزيل متى توفّر الوعي المقاصدي والإرادة الأخلاقية. فـ“نحن” لا تكتمل بإقصاء “الغير”، بل بترسيخ قيم العدل والرحمة والكرامة الإنسانية. وحين نفهم الاختلاف بوصفه آيةً من آيات الله في الكون لا لعنةً ينبغي محوها، نكون قد خطونا الخطوة الأولى من منطق الصدام إلى أفق التعايش الراشد.
أحمد الشيباني
رئيس مركز شنقيط الإسلامي
ديربورن – ميشيغان
14 فبراير 2026
