بين «عن» و«من»… مسافة النجاة
ليست حروف القرآن مجرد رموز لفظية، بل جسور مصائر تربط بين الهلاك والفوز، بين احتراق الروح والنجاة الأبدية. حرفان صغيران يفصلان بين الاثنين: «من» العذاب، و«عن» النار.
قال الحق جل جلاله:
﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾،
وفي سياق آخر:
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾.
دقة لفظية تحمل أعماقًا هائلة. «من» العذاب تدل على غمرة كاملة؛ قد أحاط به صاحبه، فسكن جلده وانتشر في أعماقه، فصار وطنًا أخيرًا لا يُزاح عنه ولا يُنتزع من قعره، ألمٌ يتجدّد إلى الأبد.
أما «عن» النار، فهي رحمة سابقة، إبعاد قبل الاقتراب، صرف قبل السقوط، مسافة نجاة لا تعرف طعم اللهيب أصلًا. عذاب ينتهي لأنه لم يبدأ، وفوز عظيم لأنه سبق الوقوع. لهذا لم تقل الآية: «من أُخْرِجَ مِنَ النَّارِ»، بل «من زُحْزِحَ عَنْهَا». النجاة إذن ليست إنقاذًا بعد الاحتراق، بل لطف خفيّ، وفضل مسبوق، وعناية تسبق الخطيئة.
ثم تختم الآية حاسمةً: ﴿فَقَدْ فَازَ﴾. فوزٌ لا يُقاس، ولا يحتاج إلى تفسير، إذ السلامةُ من النَّارِ وَحْدَهَا كَافِيَةٌ لِتَكُونَ كُلَّ شَيْءٍ، سِيمَا إِذَا أَرْدَفَتْهَا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ.
نحن الآن في هذه المسافة بين الحرفين: بين «عَنْ» الَّتِي تُرْجَى، وَ«مِنْ» الَّتِي يُخْشَى الْوُقُوعُ فِيهَا. هُنَا تُكْتَبُ الْقَرَارَاتُ، وَتُوزَنُ الْأَعْمَارُ، وَتُحَدَّدُ الْمَصَائِرُ.
فَيَا مَنْ تَقْرَأُ: اجْعَلْ سَعْيَكَ الْبُعْدَ عَنِ النَّارِ، لَا النَّجَاةَ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ. وَاسْأَلِ اللَّهَ أَنْ يَزُحْزِحَكَ عَنْهَا، لَا أَنْ تَبْحَثَ عَمَّنْ يَزُحْزِحُكَ مِنَ الْعَذَابِ.
﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
أحمد الشيباني
رئيس مركز شنقيط الإسلامي
ديربورن ، ميشيغان
