من ظلمات الظلم إلى نور العدل بقلم: رئيس مركز شنقيط الإسلامي أحمد الشيباني

في زمنٍ تتعدد فيه صور السيطرة ويتسع فيه الجدل حول العدالة، يعود هذا المقال إلى الجذر الأخلاقي للمسألة: الظلم والعدل، لا بوصفهما شأنًا سياسيًا بل كمعيارٍ وجودي يقوم عليه معنى الاستخلاف الإنساني. فالإنسان لا يُختبر بقوة سلطانه بقدر ما يُمتحن بثباته على ميزان الحق.

الظلم ليس فعلًا عابرًا في سجل الأخطاء البشرية، ولا هو انحرافٌ محدود يمكن احتواؤه بعقوبةٍ عابرة أو خطابٍ وعظيٍّ سريع؛ بل هو خللٌ عميق في رؤية الإنسان لذاته وحدودها، وانكسارٌ في الميزان الفطري الذي أودعه الله في النفس ليهديها إلى مواضع الصواب. حين يُعطي الإنسان في غير موضع العطاء، أو يمنع حيث يجب البذل، أو يحكم بغير حق، فإنه لا يظلم غيره فحسب، بل يعتدي على التوازن الداخلي الذي به تستقيم روحه قبل أن يستقيم سلوكه.

وقد صوّر الوحي هذه القابلية البشرية للانحراف بقوله تعالى:

{إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} – (إبراهيم: 34).*
والآية ليست إدانةً لجوهر الإنسان، وإنما تشخيصٌ لطبعه إذا خلا من التزكية. فالإنسان حين ينفصل عن مرجعية العدل الإلهي ويتوهم نفسه معيارًا للحق ومصدرًا له، ينزلق تدريجيًا إلى تضخّم الذات، فتتحول الإرادة من أداة إعمار إلى وسيلة استحواذ.

إن الظلم في جوهره ليس مجرد اعتداءٍ ماديٍّ أو سياسيٍّ، بل رؤيةٌ مختلة للعالم تجعل الذات مركزًا، والآخرين أطرافًا. يبدأ الظلم فكرةً في القلب، ثم يتحول إلى موقف، ثم إلى سلوكٍ متكرر، ثم إلى ثقافةٍ عامة. وحين تتجذر ثقافة الظلم، يغدو الانحراف طبيعيًا، ويُنظر إلى العدل بوصفه تضحيةً نادرة لا قاعدةً أخلاقية.

ويخطئ من يظن أن الظلم مقصورٌ على أنظمة الحكم أو صراعات السياسة. إنه يتسلل بصمتٍ إلى تفاصيل الحياة اليومية: في حاكمٍ يُقدّم مصلحته على مصالح الناس، وأبٍ يستبدل الرحمة بالقسوة باسم التربية، وشريكٍ يتذرع بالمصلحة ليبرر الجور، وإنسانٍ يظلم قلبه بالغفلة عن ربه قبل أن يظلم غيره. جميع هذه الصور يجمعها خيطٌ واحد: غياب ميزان العدل عن الوعي والسلوك.

وقد جاء التحذير النبوي شديد الوضوح حين قال رسول الله ﷺ:

«اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» – رواه مسلم.
والظلمات هنا ليست طبقةً واحدة بل تراكمٌ من الانحرافات: تبدأ في الضمير، ثم تمتد إلى العلاقات، ثم تُظلّل المجتمع بأسره. فالظلم يُظلم القلب أولًا، فإذا أظلم القلب عميت البصيرة، وإذا عميت البصيرة اختلّ الحكم، وإذا اختلّ الحكم ضاعت الحقوق، ومعها تفقد المجتمعات ثقتها في نفسها وفي مؤسساتها.

وليس من قبيل المصادفة أن ترتبط سنن التاريخ بميزان العدل. فالأمم لا تسقط حين تُفلس خزائنها، بل حين تُفلس ضمائرها. قد تعيش الشعوب فقرًا في الموارد وتظل متماسكة، لكنها إذا فقدت الإحساس بالإنصاف تحولت قوانينها إلى نصوصٍ بلا روح، ومؤسساتها إلى هياكل بلا معنى. فاختلال العدل هو البداية الحقيقية لانهيار العمران، لأنه يُضعف روح الانتماء ويزرع الشك في جوهر التعايش.

ومن هنا، فإن طريق الإصلاح لا يبدأ في القوانين، بل في الضمائر التي تضع القوانين وتفسرها. العدل مشروع تربيةٍ قبل أن يكون مشروع حكم. هو حالة قلبية تُعيد للإنسان تواضعه أمام الحق وتذكّره بمصدر العدالة العليا الذي لا يتبدل. تبدأ مقاومة الظلم من ذات الفرد حين يراجع نفسه، ويقرُّ بقابليته للانحراف، ويردّ الحقوق لأصحابها ولو بعد حين. إن غرس قيمة “أنصف” في الطفل الصغير هو الخطوة الأولى نحو وطنٍ يعرف حدود نفسه ويصون كرامة جميع أبنائه.

وفي الرؤية القرآنية، العدل ليس نظامًا بشريًا متغيرًا، بل ركنٌ من أركان الاستخلاف الإنساني. فقد قال تعالى:

{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} – * (البقرة: 30).*
والاستخلاف أمانة، والأمانة لا تُؤدّى إلا بميزانٍ مستقيم. فالإنسان لم يُمنح سلطةً مطلقة، بل كُلّف بضبطها بالحق. وكل انحرافٍ عن هذا التكليف يُفرغ الاستخلاف من معناه، ويحوّل البناء إلى تسلّط، والعمران إلى صراع.

العدل هو الركيزة التي تحمل معنى الوجود الإنساني في الأرض، فهو ليس تنظيمًا للعلاقات المادية، بل روحٌ تحفظ الحياة من الفوضى. به تُصان الكرامة، وتُبنى الثقة، ويأمن الضعيف في ظل القوي دون خوفٍ أو مهانة. إنه نورٌ إذا أشرق في القلب انعكس في السلوك، وإذا غاب عنه لم تُقِمه أشد القوانين صرامة. فالعدل يبدأ سرًّا في الضمير قبل أن يظهر تشريعًا في الدستور.

وحين نستقرئ حركة التاريخ، ندرك أن ما قامت حضارةٌ إلا بقدر ما أقامت من ميزان الحق، وما بادت إلا حين غلب الهوى على المبدأ. فالظلم مهما تجمّل بشعارات القوة والمصلحة يظل هشًّا في جوهره، لأنه يصادم الفطرة التي فُطر الإنسان عليها. أما العدل، وإن بدا مكلفًا في لحظته، فهو وحده الذي يمنح المجتمعات استقرارها وكرامتها.

إن الانتقال من ظلمات الظلم إلى نور العدل ليس انتقالًا سياسيًا فحسب، بل تحولٌ روحي وأخلاقي يبدأ من الفرد ويتسع إلى الجماعة. وما لم يستقر العدل في الضمير قيمةً راسخة، فلن يستقر في الواقع نظامًا دائمًا. فالعدل عبادةٌ جماعية بها يُقاس صلاح الأمم، ويُختبر صدق الإنسان في أمانة الاستخلاف، وبه وحده يُكتب للعمران أن يدوم.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top