الاستكبار: داء القلوب وهادم المجتمعات

الاستكبار: داء القلوب وهادم المجتمعات
بقلم: أحمد الشيباني
رئيس مركز شنقيط الإسلامي – ديربورن، ميشيغان
تمهيد: في تشريح الداء
ثمة أمراض لا يُحسّ بها صاحبها؛ لأنها لا تُقعده عن الحركة، ولا تُنهكه بألم ظاهر، لكنها تنخر في أعماق القلب حتى تُعيد تشكيل رؤيته لنفسه وللعالم من حوله. ومن أخطر هذه الأمراض وأشدها فتكًا بالروح والمجتمع: الاستكبار.
الاستكبار في أصل اللغة هو التطاول والعلوّ والاعتداد بالنفس، أما في حقيقته الشرعية فهو أعمق من مجرد التعالي؛ إنه رفض الحق استعلاءً عليه، واحتقار الناس استصغارًا لهم. وقد لخّص النبي صلى الله عليه وسلم جوهره في قوله: «الكِبر بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس»؛ أي ردّ الحق حين يأتيك، وازدراء الإنسان حين تلقاه. وفي هذين البُعدين يكمن الخراب المزدوج: خراب العلاقة بالله، وخراب العلاقة بالخلق.
الاستكبار في ميزان الوحي: حين يُعلن الله موقفه
لم يترك القرآن الكريم المسألة معلّقة في فضاء المواعظ العامة، بل حسمها ببيان قاطع:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (آل عمران: 23)
آية موجزة في لفظها، عظيمة في معناها. يكفي المؤمن الذي يجعل محبة الله غاية وجوده أن يعلم أن صفةً ما تُبعده عن تلك المحبة، حتى يجتنبها أشد الاجتناب. فأي خسارة أعظم من أن يربح الإنسان إعجاب الناس ويخسر القرب من ربه؟
وقد ضرب القرآن مثلاً خالدًا للاستكبار في قصة فرعون؛ ذلك الذي لم يكتفِ بالعلوّ في الأرض، بل ادّعى ما ليس له. جاءه موسى عليه السلام بالحجة الواضحة، فلم يرَ في الدعوة سبيل نجاة، بل رأى تهديدًا لعرشه وجرحًا لكبريائه. فاختار العناد على الإذعان، فكانت عاقبته الغرق والهلاك. إنها قصة تتكرر بأشكال مختلفة كلما غلب وهم العلوّ على حقيقة الخضوع للحق.
الاستكبار وتشويه الذات: عزلة في قلب الجموع
المتكبر قد يكون محاطًا بالناس، لكنه يعيش عزلة داخلية خانقة. يرفض النصيحة لأنه يراها انتقاصًا، ويستثقل التوجيه لأنه يعدّه مسًّا بمقامه، ويتأفف من الاعتراف بالخطأ لأنه يظن فيه هزيمة. ومع الزمن تتصلب روحه، فتضيق قابليته للتعلّم، ويغلق على نفسه أبواب النمو والارتقاء.
والأخطر أن الاستكبار يُلقي بظلاله على علاقة العبد بربه. فكيف يرجو الهداية من يردّ الحق؟ وكيف يطلب التوفيق من جعل الأنا حجابًا بينه وبين كل ما هو أعظم منه؟ إن الاستكبار في جوهره عبودية للنفس، ومن استعبدته نفسه غفل عن مولاه.
الاستكبار ووباء المجتمع: حين تتسع الفجوات
الاستكبار ليس شأنًا فرديًا فحسب، بل عدوى اجتماعية تُفسد نسيج العلاقات. حين يتكبر فرد على آخر يولد جرحًا، وحين تتكبر فئة على أخرى تتسع الهوة، وحين تتعالى أمة على سواها تشتعل الصراعات.
إنه يحوّل التنوع إلى صراع، والتعدد إلى تنافر، ويستبدل الاحترام المتبادل بنظرات الاستصغار. والمجتمعات لا تبنيها القوة وحدها، ولا يحفظها الثراء وحده، بل يحفظها التواضع المتبادل والاعتراف بكرامة الإنسان أيًّا كان موقعه.
من هدي السنة: منطق الرفعة الحقيقي
جاء في الحديث الصحيح الذي رواه صحيح مسلم:
«ما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله».
حديث قصير، لكنه يقلب موازين الفهم السطحي للحياة. قد يظن البعض أن الرفعة تُنال بالاستعلاء، غير أن الهدي النبوي يقرر أن الطريق إلى العلوّ يمرّ عبر التواضع، وأن المكانة الحقيقية تُبنى بخفض الجناح لا بتضخيم الأنا.
في مداواة الداء: خطوات عملية
علاج الاستكبار رحلة داخلية تبدأ من القلب وتمتد إلى السلوك:

  1. استحضار أصل الخلقة والمآل. تذكّر البداية والنهاية يكسر وهم العظمة المصطنعة.
  2. نسبة النعم إلى الله. حين يرى الإنسان علمه أو ماله أو جاهه فضلًا من الله، يتحول الشعور من غرور إلى شكر.
  3. صحبة المتواضعين. فالقلوب تتأثر بالمجالسة، ومن جالس أهل اللين تعلّم منهم اللين.
  4. رياضة الإنصات وقبول النصيحة. الإصغاء لمن يخالفك، وقبول الحق ولو جاء من أصغر منك سنًا أو مقامًا، تدريب يومي يذيب رواسب الكبرياء.
    التواضع: قوة ووعي
    التواضع ليس ضعفًا ولا تخليًا عن الكرامة، بل هو وعي بحقيقة الذات في هذا الكون الفسيح. هو القدرة على الاعتراف بالخطأ، والقبول بالحق، واحترام الإنسان لذاته ولغيره دون حاجة إلى استعلاء.
    بالتواضع تُبنى جسور الثقة، وتُزال الحواجز النفسية، ويشعر كل فرد بقيمته بوصفه إنسانًا مكرّمًا.
    خاتمة: في زمن تضخّم الأنا
    نعيش في عصر تُغري فيه المنابر الرقمية بتضخيم الذات، ويُكافأ فيه الصخب أكثر من الصدق. في مثل هذا السياق، يصبح التواضع موقفًا أخلاقيًا شجاعًا، والانكسار لله قوة نادرة، والاعتراف بالحق فضيلة استثنائية.
    إن مجتمعاتنا أحوج ما تكون اليوم إلى إعادة الاعتبار لخلق التواضع، لا بوصفه قيمة دينية فحسب، بل ضرورة حضارية لبناء إنسان متوازن ومجتمع متماسك. فبالحق تستقيم القلوب، وبالتواضع تُرفع الأمم، ولا يثبت بنيانٌ شُيّد على أساس من كبرياء.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top